Sunday, September 5, 2021

الحانه - حلقة رقم ١


جلستُ أمامها في حانتها الجديدة التي افتتحتها قبل شهور في مدينة رام الله، وسألتها عما تقوم به من نشاطات فيها، وهل حققت الأهداف التي وضعتها قبل تأسيسها، ولكنها فاجأتني بأنها لا ترغب في التحدث عن الحانة. فاندهشت، فأعدت السؤال عليها بصيغة أخرى، فأحجمت واعتصمت بالصمت.

أحسست أن عاطفتها الجامحة التي سكنتها قبل الافتتاح قد فترت وخبت نارها، وأن تلك الطاقة المتفجرة الكامنة فيها قد خمدت. فبدت كسيارة نفذ منها وقودها فثبطت همتها وعزيمتها وتراجعت إلى نقطة الصفر.


سألتها: أين الشحنة الكبيرة من الحماس التي كانت لديك؟ وماذا ألم بك؟ 


أجابت بصوت تسربت إليه نبرة الحزن: "مشاكل وظروف يا أستاذ"، وسكتت.  


كأن مشروب الطاقة الايجابية التي كانت تحتسيه قد نفذ مفعوله في جسمها بغتة وحل مكانة فتور سلبي. 

 ولم ترغب بأن تفتح قلبها للحديث عن "المشاكل والظروف". تمعنت في وجهها محاولا أن أقرأ أفكارها لكنها أشاحت بوجهها بعيدا عن نظراتي. وكنت قد علمت من مصادري قبل وصولي إلى الحانة أن الجنرال سعيد فرض قيودا مشددة على أنشطة الحانة. ولم أشأ أن أضغط عليها بسؤالها عن إجراءات الجنرال الجديدة. 
سادت لحظات صمت بيننا، فأشغلت نفسي بالنظر إلى رسم كبير في اطار مزخرف معلق على الحائط لامرأة في ريعان شبابها بوجه وضاء وصبوح وشفتين باسمتين وعينين لامعتين وشعر طويل. فسألتها: من هذه؟ فقالت: هذا رسم لجدتي صاحبة الحانة القديمة. 


قلت: إنه رسم جميل. يبدو أن جدتك كانت شخصية مهمة. وكأنني بتعليقي على جدتها أعدت الحياة إلى روحها، فتهللت أساريرها واشتعلت الحماسة في عينيها وقالت بصوت متدفق: "نعم كانت شخصية تشتعل بالحيوية والنشاط، وكأنها غير نساء الدنيا"، هكذا تذكرت مديرة حانة النسر السيدة ميسون قمر جدتها الحاجة بهية. 
ولم تنتظر أسئلة جديدة عنها بل اندفعت في الحديث عنها. وأسهبت في وصفها وتفجرت كلماتها كشلال قوي آت من ينابيع جبلية مشكلا نهرا صغيرا يشق طريقه عبر حدائق الجنان والطبيعة الخلابة. وقالت: انظر إلى وجهها، إنه صاف كغيمة بيضاء وبشرتها نضره ومشرقة كزهرة في روض وصوتها عذب كخرير نهر. القامة طويلة كالنخلة والشعر مجدول وطويل كجدائل حورية خارجة من البحر، ولها عينان لامعتان كأنهما نجمتان. إن مشت تهب نسائم عطرها، وأن وقفت تعجبك اطلالتها، إن تحدثت أقنعت، وإن غنت أطربت، وإن سردت حكاية أبهرت عقول السامعين. كانت امرأة واسعة الثقافة ومتعددة المواهب والمناقب. وكانت من عشاق قراءة الكتب في زمن كان الجهل منتشرا والوعي محدودا والبصيرة غائبة. 


كانت عيناي تحدقان في الرسم. وقلت لها: يبدو أنها انيقة أيضا فثوبها المطرز يدل على ذلك. 
قالت: نعم، نعم. كانت امرأة كاملة الجمال والحسن وتحب الحياة والعطاء وتميزت بانضباطها في سلوكها وقدرتها على التأثير على الآخرين وضبط سلوكهم ولديها مهارة فريدة في تنظيم الأشياء. فاستغلت هذه الصفات والقدرات او لنقل بأنها هبات إلهية وأنشأت حانة النسر.


وقلت: إنه نفس الاسم الذي سميت به حانتك. فهل كان استخدامك للاسم تيمنا بحانة جدتك؟ ولماذا اختارت أن تسميها "حانة" وليس جمعية ثقافية أو مركزا ثقافيا؟  
 أجابت ميسون بأن جدتها أطلقت عليها اسم حانة لأن أرادت أن تربط بين المتعة والتعليم والتسلية والتدريب والترفيه والثقافة. وهذا مفهوم ابتكاري يجعل من العلم والثقافة واكتساب المهارات أمورا مرغوبا فيها. واستغرقها الاعداد والتحضير سنة أو أكثر. وكان للحانة راية تحمل شعارها وأسست فرقة موسيقية تدق الطبول وتنفخ في المزامير وتعزف على آلات العود. ووضعت للحانة نشيدا للسلام خاصا بها وتقول كلماته:


سلام يا بني أهلي سلام من فلسطين 


سلام الشرق والنور سلام العلم والقلم 
سلام الحب نكتبه على الجدران نرسمه 


سلام يا بني أمي سلام من فلسطين 
 تنهدت ميسون وهي تتحدث عن جدتها لتشرح دورها في نشر ثقافة العمل الاجتماعي لتؤكد أيضا أن أوضاع الحانة في زمننا بلغت درجة كبيرة من السوء فلا ترقى إلى المستوى الذي وصلت إليه جدتها قبل أكثر من سبعة عقود. وتوقفت عن الكلام وكأنها لا تريد أن تسهب في الحديث عن أوضاع حانتها.


 ثم تابعت حديثها عن جدتها فقالت بأنه يُعزى الفضل لجدتها في ابتداع نظام تسجيل دقيق لتنظيم الأعضاء المسجلين في الحانة في مجموعات للمشاركة في الأنشطة الصحية والثقافية والرياضية والترفيهية والخيرية ويشمل ذلك الامومة والطفولة والتمريض وممارسة فنون التطريز والطبخ والرسم والرقص والغناء والانشاد والتمثيل والكتابة وتجويد القرآن. 
فإن دخلت إلى القاعة الرئيسية في الحانة في ذلك الزمن، ستجد مجموعات من الرجال والنساء والأطفال وهم منهمكين ومشغولين في تلك الانشطة المتنوعة. وكانت الحاجة بهية تقدم الطعام والشراب للرواد. كان الاقبال على الحانة كبيرا جدا. ولعلك تريد أن تسألني أين مقرها؟ كان مقرها في حي الشيخ جراح في مدينة القدس، وكان مقرا صغيرا مكونا من قاعة وعدة مكاتب وساحة خارجية. وكانت بحاجة إلى مكان فسيح من قاعات وساحات واسعة لاستيعاب الاعداد الغفيرة من الراغبين الحصول على بطاقة العضوية. لكنها كانت تطمح أن توسع نشاطاتها بافتتاح حانات مشابهة ذات طابع ثقافي واجتماعي وترفيهي في المدن الأخرى. 


واختتمت ميسون كلامها بالقول: "هذه باختصار حكاية جدتي الحاجة بهية قمر. كانت حكاية نجاح في زمن جميل، ولكن الزمن الجميل لا يبقى جميلا، فكما تعلم كانت البلاد تغلي بالحوادث الجسام والشدائد والنكبات، قالت ميسون بصوت غلبه الحزن، فكأنها كانت ترثي زمنا امتد إلى عقود، ولا تزال آثار ذلك الزمن باقية إلى يومنا هذا. 


كانت الغاية من مجيئي إلى الحانة ولقائي مع السيدة ميسون هي اعداد دراسة عن نساء فلسطينيات دخلن التاريخ المشرف في النضال وتربية الأجيال القادرة على الصمود والمقاومة. وكانت جدتها واحدة من النساء اللواتي أتاحت لهن عائلاتهن حرية الحركة وحصلن على التعليم وتمكن من أن يكن رائدات في مجتمعهن. وكنت في دراستي قد أشرت إلى اشتراك المرأة الريفية في تأمين الغذاء والطعام والشراب للمناضلين وإيواءهم. بينما اشتركت المرأة في المدينة في نشاطات سياسية ونضالية ضمن أطر وأشكال تنظيمية كالجمعيات واللجان النسوية وشاركت المرأة في التظاهرات ضد الاستيطان الصهيوني والانتداب البريطاني. 
 


استأنفت ميسون الحديث بعد لحظات صمت وقالت بأن المرأة الفلسطينية تمردت على الجهل والانعزال، وكانت جدتها واحدة من النساء اللواتي تركن بصماتهن على الحياة الثقافية منذ سنوات الثلاثينات. 
وعبرت السيدة ميسون عن شعورها بالفخر والاعتزاز لنجاح جدتها في تحويل الحانة إلى مرآة تعكس كل ما يدور في المجتمع في ذلك الوقت. وقالت بأن الزوار كانوا يأتون إلى الحانة من مدن نابلس والخليل والناصرة والجليل ويافا وحيفا وقطاع غزة. ووصل عدد الأشخاص الذين حازوا على بطاقة العضوية نحو ستة آلاف عضو. وبمرور الوقت وتوالي الحروب والنكبات تقلصت الأنشطة تدريجيا وتوقفت نهائيا وأغلقت الحانة أبوابها بعد نكبة عام ١٩٤٨.


 أضافت ميسون بأن الحانة شكلت ظاهرة ثقافية وسياسية مميزة في أيام عزها في سنوات الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي. وتدفق الحزن في صوتها، فأدركت أن أشجانها عادت إليها، نظرت إليها، وقلت لها: الآن بعد أن استمعت على حديثك الشيق عن تجربة جدتك، لا بد لك أن تتحدثي عن تجربتك؟ قالت نعم. وبدأت الكلام. حاولت ميسون اعادة تأسيس الحانة مرات عديدة في القدس وفشلت، لأن الاحتلال الإسرائيلي رفض منحها رخصة خشية أن تحولها إلى مركز اشعاع للوطنية الفلسطينية. 
وبعد عودة الجنرال سعيد، وفق بنود اتفاق أوسلو إلى الوطن بين الرئيس محمد القدوة ويعقوب مزراحي، عرضت ميسون عليه فكرة إعادة أمجاد حانة جدتها الحاجة بهية بإعادة تأسيسها في مدينة رام الله. فوافق الجنرال على ذلك. وبدأت ميسون بإعداد الخطط التفصيلية. فاستأجرت طابقا في بناية يحتوي على عدة قاعات. وتعاقدت مع فرق للدبكة الشعبية. وأنشأت فرقة الانشاد وأعادت رموز حانة النسر ورايتها التي هي عبارة عن قطعة قماش بألوان العلم الفلسطيني وكتب عليها اسم حانة النسر، ورسم شعارها المكون من قلم وريشة. وحصلتْ على موافقات من الكتاب والمبدعين والفنانين والموسيقيين للمشاركة في أنشطة ثقافية وترفيهية. وتمكنت أخيرا من افتتاح الحانة، وشارك في افتتاحها الجنرال الذي لم يقص الشريط الأحمر فحسب بل قام بتعليق رسم كبير للحاجة بهية على الجدار في الصالة الكبيرة. 


وكان الرسم هدية قدمها أحد الرسامين منقولا عن صورة قديمة لجدتها في أيام شبابها بوجهها الوضاء الصبوح الذي يبتسم لكل من نظر إليها. كان طموحها أن تؤسس حانة حديثة لتكون امتدادا لحانة جدتها الحاجة بهية في سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي.

ظنت ميسون أن الجنرال وأصحابه سيقدمون لها المساعدات بأشكالها المتنوعة لإعادة الحانة إلى سابق عهدها في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي لتكون مرآة للمجتمع في زمننا الحالي. 


 ولم يمض وقت طويل حتى اكتشفت ميسون أن الجنرال سعيد وجماعته ضيوف ثقال الظل، فحطوا كامل أثقالهم من الحراس المسلحين والمرافقين والمخبرين في الحانة وسيطروا عليها وتدخلوا في برامجها، وفرضوا أفكارهم في اسلوب ادارتها. 
 حاول الجنرال أن يستخدم الحانة كمنبر للدعاية والترويج لأفكاره وتمجيد حزبه الحاكم، فألغيت التعددية الفكرية، ومنعت المحاضرات والندوات والنقاشات وفرضت المحاذير على إبداء أي رأي مغاير لرأي الجنرال. فتدهورت النشاطات في الحانة واقتصرت على الترويج لثقافته ذات المستوى المنخفض. 


نظرت ميسون في الصورة وخاطبت جدتها
اشتقت إليك وازدادت لوعتي يا جدتي، يا طهرا.... يا قلبا... يا جمالا لن يكرره الزمن. وكل يوم يمر يزيد فقدك من حزني وأنت في بطن القبر تدركين ما يجري في الحانة، لأن صورتك تراقب كل شيء. أظن أن قلبك لن يحتمل هذا الأذى. فاعذريني وسامحيني لأنني لم أستطع أن أنجز ما أنجزت وأبدع ما أبدعت.   


صدمت ميسون لأنها لم تجد أي تبرير للقيود المفروضة على الحانة. وبدأت تنبش في الذاكرة المكتوبة لتفهم لماذا تصرف الجنرال بهذه الطريقة؟ 
واكتشفت الجذور التاريخية للخيانة والسقوط الأخلاقي وعلمت أن الجنرال سعيد الذي كان قائدا لمجموعات الفدائيين هرب في سيارة اسعاف من جنوب لبنان إلى بيروت خلال احتدام المعارك بين المقاتلين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، بينما استمر أطفال الـ أر بي جي والمقاتلون في فصائل المقاومة الفلسطينية يحاربون ببسالة ويصدون عدوان إسرائيل عام ١٩٨٢. ولم يُعاقب الجنرال على هروبه بل كوفئ على جبنه بالمناصب والمسؤوليات. 


No comments:

Post a Comment

حلقة رقم ٢ - الجنرال

-٢- عندما عاد إلى الوطن، بعد اتفاق أوسلو، مارس نفس النهج الذي كان يمارسه في الخارج وهو نهج يركز على احكام السيطرة عن طريق المال والقوة الأمن...